لدى عالمة سلوك كويتية البيانات التي تثبت أن المشكلة الأصعب للبلاد هي القدرة لا رأس المال
لم تكن أي من الشابات الكويتيات اللواتي دخلن ورشة عمل للثقافة المالية نظمتها «لي ولكم» قد أخذن دورة في التمويل الشخصي من قبل. ليس معظمهن، بل كانت النسبة 96.6 بالمئة بحسب إحصاء المنظمة نفسها.
يوجد هذا الرقم داخل تقرير التأثير الذي نشرته «لي ولكم» هذا العام، وهي المنظمة الكويتية المعنية بالثقافة المالية وتمكين المرأة التي أسستها طيبة حمد الحميضي عام 2021. يستحق الرقم اهتماماً أكبر مما حظي به، إذ إنه يعيد صياغة سؤال تطرحه الكويت على نفسها منذ عقود.
تعد الكويت غنية بأي معيار عالمي. فهي واحدة من الاقتصادات القليلة المتبقية التي لا تفرض ضريبة دخل ولا ضريبة قيمة مضافة، مما يعني أن المواطنين يحتفظون بدخلهم الصافي كاملاً. ومع ذلك، كما يشير التقرير، يحمل جزء كبير من السكان ديوناً، والقوة الشرائية تتعرض لضغوط، والضرائب تلوح في الأفق. موارد مالية وفيرة ومرونة مالية متناقصة. يسمي التقرير هذا تناقضاً، ومن الأجدى اعتباره تشخيصاً.
الحجة الكامنة وراء الأرقام
جادلت الحميضي بأن «التحيز الحاضر»، أي الميل البشري إلى المبالغة في وزن المكافآت الفورية على حساب المستقبلية، لا يقتصر على الفرد. بل يتسع نطاقه. إنه يشكل الأسر ثم المؤسسات ثم الاقتصادات. ويقع بحثها الأكاديمي في هذا المجال تحديداً: درجة الماجستير في العلوم السلوكية من كلية لندن للاقتصاد، ودكتوراه قيد الإنجاز تركز على السلوك المالي واتخاذ القرارات والدفع الخفي.
امتداد هذه الحجة غير مريح بطريقة مثمرة. إذا قيست ثروة البلد بما يملكه، فالكويت غنية. أما إذا قيست بما تستطيع تحويل هذا المال إليه، فإن الصورة تصبح سؤالاً لا جواباً. يمكن عَدّ الاحتياطيات اليوم. أما القدرة فلا يمكن شراؤها في الإطار الزمني نفسه.
هذا التمييز هو ما يجعل رأس المال البشري أصعب اختبار للتفكير طويل الأجل يواجهه أي اقتصاد. يمكن اتخاذ القرارات المالية بسرعة عندما تضطر الظروف إلى ذلك. أما المهارات والعادات وجودة المؤسسات فتتراكم عبر عقود، ولا يبدأ التراكم إلا حين يبدأ أحدهم.
ما تظهره الأدلة فعلياً
تمثلت مساهمة «لي ولكم» في التوقف عن الجدال وبدء القياس.
نشرت دراسة شاركت الحميضي في تأليفها مع فيصل الرشيد، مساعد عميد كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالكويت، وكندة الزايد من بنك الكويت الوطني في مجلة «World Review of Entrepreneurship, Management and Sustainable Development»، وتثبت صحة استبانة شاملة للثقافة المالية لدى الشباب الكويتي. شملت العينة 1064 مستجيباً تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً. بدأت الأداة بسبعة مجالات مقترحة تغطي إعداد الميزانية والادخار والاستثمارات وإدارة الديون والتخطيط المالي والوعي بالمخاطر والأدوات المالية الرقمية. نجح أربعة منها في التحقق: سلوك الاستهلاك والثقافة المعلوماتية والممارسات المالية وسلوك الاستثمار. والورقة البحثية الكاملة متاحة للجميع.
الأهمية لا تكمن في الاستبانة ذاتها، بل في أن الكويت أصبح لديها خط أساس الآن. فمن المستحيل المطالبة بتقدم في القدرات البشرية أو تمويله من دون وجود مثل هذا الخط الأساس.
أما بيانات الورش التي تقع أسفل ذلك فهي ما يعطي الحجة قوتها. بين المشاركات اللواتي جرت استطلاع آرائهن قبل وبعد سلسلة ورش الثقافة المالية التي قدمت بالتعاون مع وحدة دراسات المرأة والجندر في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت، انخفضت نسبة من لم يعدوا ميزانية من قبل من 48.3 بالمئة إلى 24.7 بالمئة. وارتفعت نسبة من يتابعن مصروفاتهن أسبوعياً من 22.5 بالمئة إلى 36 بالمئة. وارتفعت نسبة من يدخرن مبلغاً ثابتاً في معظم الشهور من 23.6 بالمئة إلى 37.1 بالمئة. وانتقلت نسبة الطالبات اللواتي يخططن للاستثمار من 34 بالمئة إلى 47 بالمئة.
هذه تحولات ذاتية التقرير قيست قريباً من التدخل، ويذكر التقرير ذلك بوضوح. لكنها تشير إلى أمر يستحق التنويه: الفجوة التي يجري سدها ليست فجوة ذكاء أو دخل. إنها فجوة تعرض. الأشخاص الذين لم يتلقوا تعليماً غيروا سلوكهم عندما تلقوه.
النتيجة التي نشروها على أي حال
أكثر سطر كشفاً في التقرير بأكمله هو فشل.
إلى جانب الورش، أجرت الفريق تجربة دفع خفي باستخدام رسائل نصية تذكيرية. النتيجة المسجلة في التقرير دون تلطيف: لا تأثير فوري.
المنظمات التي توجد ليُرى أنها تفعل الخير لا تنشر عادة التدخلات التي لم تنجح. إن ظهور النتيجة أصلاً يشير إلى أن المشروع يدار كبحث لا كسمعة. وهي أيضاً النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام. فالمعرفة تنتقل بسهولة نسبية. أما السلوك فلا. يمكن لورشة عمل أن تغير ما يفهمه الشخص خلال ساعات؛ أما تغيير ما يفعله بشكل دائم فيتطلب أجهزة التزام وإعدادات افتراضية وأعرافاً اجتماعية تعمل على مدى أطول بكثير من رسالة نصية.
هذا ليس عيباً في البرنامج. بل هو السبب في أن البرنامج يجب أن يكون مشروعاً يمتد لعقد لا حملة مؤقتة.
أربع كلمات تقوم بعمل كبير
عدة أمور تحدث في الكويت في وقت واحد. الضرائب قيد النقاش. والوصول الأوسع إلى تمويل الرهن العقاري سيفرض التزاماً طويل الأجل على أسر لم تتلقَ ممارساتها المالية الأساسية تعليماً رسمياً بحسب هذه البيانات. أما خدمة «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» فقد أصبحت في متناول المستهلكين الشباب بسهولة، مما يرسخ عادة الاقتراض أولاً في وقت مبكر.
كانت الحميضي صريحة بخصوص هذه الخدمة الأخيرة، ويبدأ اعتراضها من اللغة لا من الاقتصاد. الإطار المعتاد للمنتج هو «عش الآن وادفع لاحقاً». تشير إلى أن الفعل يحمل دلالة مفادها أن الشخص بدون هذه الخدمة لا يعيش حقاً. تصحيحها مباشر: «استمتع الآن وادفع لاحقاً» سيكون أدق. كل من يحتاج إلى ائتمان كي يعيش الآن لديه مشكلة في مستوى المعيشة لا في المنتجات المالية.
يدعم نمط الإنفاق هذه الصياغة الجديدة. مستشهدة بأرقام 2026 من منصة Empower المالية، تلاحظ أن الفئات الرائدة لهذا النوع من الائتمان هي الإلكترونيات والملابس وتوصيل الطعام، لا الإيجار أو المرافق أو تسوق البقالة الأسبوعي. يضع المصدر نفسه أكثر من نصف المستخدمين في سن 35 أو أقل، مع تبني الجيل زد بنسبة حوالي 40 بالمئة. يقول حوالي ربع المستخدمين إنهم أكثر ميلاً للشراء فقط لأن الخيار يُقدم. ويبلغ 38 بالمئة أن الدفع بهذه الطريقة يبدو أقل واقعية من استخدام بطاقة الخصم أو الائتمان. والمدفوعات المتأخرة في ارتفاع، إذ فات حوالي واحد من كل أربعة مستخدمين دفعة واحدة في 2024، ارتفاعاً من 18 بالمئة في العام السابق، ونسبة مماثلة فقدت السيطرة على ما تدين به عبر قروض متداخلة.
مقابل ذلك تضع المقياس الفعلي للحياة في الكويت. أظهر تحليل أجراه علي بهبهاني وشركاه في يوليو 2026 أن التكلفة مدى الحياة لأسرة كويتية من الولادة حتى سن 80 تبلغ حوالي 4.13 مليون دينار، يتحمل فيها الدولة أكثر من النصف، أي نحو 2.27 مليون دينار. سؤالها هو ماذا يعني لعبارة تسويقية أن تستعير هذه الكلمة لشراء إلكترونيات اختيارية، وما إذا كان جيل يُعلَّم تضخم أسلوب الحياة قبل أن يحصل على أموال قد لا يتلقاها أبداً.
الاقتراح الذي تربطه أكثر إثارة للاهتمام من النقد. قبل إطلاق أي حملة، تسأل، لماذا لا نحاكي مسارها السلوكي أولاً. ماذا يفعل عقد من هذه الرسائل براتب شاب في العشرين ليس لديه مسؤوليات بعد ويُدرَّب بلطف وربحية على تأجيلها؟
الجزء الذي لا يستطيع أحد في الكويت الإجابة عنه
هنا تصطدم الحجة بجدار، وتقول الحميضي ذلك بوضوح. كل الأرقام أعلاه دولية. أما التبني داخل الكويت فلا توجد أي بيانات عنه بحسب قولها. لا أحد يتابع كم شاباً كويتياً يستخدمون هذه المنتجات أو لماذا أو ما أثره على مدخراتهم.
هذا الغياب هو المشكلة نفسها التي أُنشئ مؤشر الثقافة المالية لحلها، ولكن على مستوى فئة منتج واحدة. السلوك الذي يبقى غير مقاس لا يمكن إدارته أو تمويله أو النقاش حوله بدقة. يمكن ملاحظته فقط بعد فوات الأوان، حين يصبح نمطاً، وهو عادة الوقت الذي يصبح تصحيحه فيه مكلفاً.
من القياس إلى النظام
تتماشى خطة «لي ولكم» المعلنة مع ذلك. من المقرر توسيع برنامج الورش ليشمل أربع جامعات بحلول نهاية 2026، هي جامعة الكويت والجامعة الأمريكية بالكويت وكلية الكويت التقنية والجامعة الأمريكية الدولية. وسيُنشر مؤشر الثقافة المالية مع تحديثات سنوية، محولاً قياساً واحداً إلى خط اتجاه. كما يُخطط لإطلاق منتج رقمي هو تطبيق «لومن» لتوسيع التخطيط المالي والإرشاد خارج الصف. وجرى تمديد البرنامج أيضاً من خلال شراكة مع منصة تمكين المرأة اقتصادياً في الكويت.
تعقد المنظمة، التي تعمل كمؤسسة غير ربحية، مؤتمر «المرأة والاقتصاد» في 17 و18 أكتوبر بالشراكة مع جامعة الكويت وبدعم من وزير الخارجية.
تؤخذ هذه الأنشطة فردياً فهي أعمال منظمة غير ربحية قادرة. أما مجتمعة فتصف شيئاً أكثر عمداً: أداة قياس وآلية تنفيذ وقناة توزيع ومنتدى سياسات، مجمعة تسلسلياً حول أطروحة واحدة.
هذه الأطروحة مباشرة، وقد ظلت الحميضي متسقة بشأنها. أكبر أصل للكويت هو شعبها. لقد اشترت الموارد للبلاد وقتاً. ما يُفعل بهذا الوقت هو الاختبار الحقيقي، وهو يجري الآن في مجموعات من بضع عشرات من الطلاب في كل مرة مع استطلاعات قبلية وبعدية مرفقة.
يمكن نشر المال في ربع سنة. أما القدرة فتستغرق جيلاً، ولا يمكن شراؤها لاحقاً بأي ثمن. وهذا بالضبط ما يجعل عمل بنائها سهل التأجيل جداً، ومكلفاً جداً إذا أُجّل.
EN
