واصلت صناديق الثروة السيادية الخليجية إبرام الصفقات بوتيرة نشطة هذا العام رغم الضغوط المالية التي أثارها اضطرابات مارس في مضيق هرمز، إذ بلغت استثمارات النصف الأول مستوى قياسياً عبر 108 صفقات. وتدير هذه الصناديق – التي تبلغ أصولها مجتمعة نحو 5.7 تريليون دولار بحسب المتابعين في القطاع – سيولتها من الأسواق العامة بدلاً من الاضطرار إلى البيع، حتى في ظل مواجهة بعض حكومات الخليج لعجوزات أكبر في الموازنات وتكاليف إعادة الإعمار. وتظهر بيانات غلوبال سوفيرين ويلث فاند أن هذا النشاط يخالف التحذيرات الأولية للمحللين بأن النزاع المطول سيؤدي إلى توقف استراتيجي، مع تصدر مركبات أبوظبي والسعودية للاستثمارات في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات المالية. وتعكس هذه المرونة المهام التي أُرسيت عبر أجيال لجمع الاحتياطيات في أوقات ازدهار النفط تحضيراً لمثل هذه الصدمات.
وأدى تصعيد مارس الذي أغلق ممرات الشحن الرئيسية وأوقف الإنتاج في منشآت سعودية وقطرية كبرى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تجاوزت 20 بالمئة في أيام مع انخفاض إيرادات الهيدروكربون التي لا تزال تشكل ركيزة المالية العامة في المنطقة. وقام محللو جي بي مورغان بتعديل توقعات نمو غير النفطي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى أسفل بنسبة متوسطها 1.2 نقطة مئوية في أعقاب الحادث مباشرة، مع تحمل الإمارات أكبر تخفيض قدره 2.3 نقطة مئوية. ووضع تقييم لاحق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم التأثير المحتمل على الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات العربية بين 120 مليار دولار و194 مليار دولار إذا استمرت الاضطرابات. ودخلت السعودية هذه الفترة بعجز قدره 276 مليار ريال من العام السابق وخطة اقتراض معتمدة بقيمة 217 مليار ريال لعام 2026، في حين حافظت الإمارات على فوائض متوقعة قريبة من 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ومع ذلك حافظت الأذرع الاستثمارية الاستراتيجية مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومبادلة في أبوظبي على التزاماتها تجاه الذكاء الاصطناعي والروبوتات والترفيه، وهي قطاعات تعد مركزية للتنويع بعد النفط. وانضمت مبادلة إلى استثمار بقيمة 4 مليارات دولار في مجموعة التأمين على الحياة أثورا هولدينغ في يونيو، فيما واصل صندوق الاستثمارات العامة دعم مشاريع رؤية 2030 المحلية إلى جانب حصص في التكنولوجيا الدولية تشمل صندوق رؤية سوفت بنك. وتقدمت إم جي إكس التابعة لأبوظبي التي أُنشئت بالشراكة مع مبادلة في مبادرة بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 30 مليار دولار مع بلاك روك، كما شارك ثلاثة صناديق خليجية في صفقة إعلامية بقيمة 108 مليارات دولار أواخر العام الماضي. وتبني هذه التحركات على نمط ما بعد 2008 الذي تحولت فيه الصناديق من مستثمري محافظ تقليديين إلى محركات نشطة للتحول الاقتصادي.
وقدمت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية – وهي أول صندوق ثروة سيادي في العالم أُنشئ عام 1953 ويبلغ قيمته حالياً نحو تريليون دولار – نموذجاً مبكراً للاستجابة للأزمات عندما عمل مكتبها في لندن فعلياً كوزارة مالية خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990. ويقوم المنطق نفسه على دعم المركبات الحالية رغم اختلاف المهام اختلافاً كبيراً: إذ يركز صندوق الاستثمارات العامة بشدة على التنمية المحلية، بينما تركز هيئة الاستثمار في أبوظبي والهيئة العامة للاستثمار الكويتية على الأسواق الدولية. وتلاحظ تحليلات مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية أن هذه الصناديق تمثل أكثر من 40 بالمئة من أصول الثروة السيادية العالمية وقد عززت الجدارة الائتمانية السيادية، إلا أن السحوبات المستمرة قد تعرض رأس المال لخطر التحول عن أهداف التنويع طويل الأجل.
وفرت الحيازات في الأسواق العامة أسهل مصادر السيولة خلال فترات التقلب، مع قيام هيئة الاستثمار في أبوظبي من بين المستثمرين بتقليص حصة كبيرة في مورد طبي أمريكي يدعى ميدلاين خلال الأشهر الأخيرة. وقال سام بورجي المحلل المالي في إنفستورز أوبزرفر إن الأسهم المدرجة تسمح بإعادة التوازن السريع دون التحديات التي تطرحها حصص الأسهم الخاصة أو البنية التحتية التي تحتفظ بها مركبات مثل مبادلة. ولاحظ بيتر يادرستن الرئيس التنفيذي لشركة جايد أدفايزرز أن محافظ الثروة السيادية تواجه إعادة الضبط قصيرة الأجل نفسها التي تؤثر على المؤسسات التعليمية وصناديق المعاشات العالمية لكنها غير مرجح أن تشهد تغييراً هيكلياً دائماً. أما جهاز قطر للاستثمار الذي نشر محلياً لاستقرار البنوك في 2008 فقد حافظ على مراكز أساسية مماثلة بما في ذلك في إدراج شركة المدفوعات اليابانية باي باي في الولايات المتحدة.
وحتى الآن تجنبت وزارات المالية تصفية كبيرة النطاق لأصول الصناديق مفضلة اللجوء إلى أسواق الدين الدولية حتى مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. وقد تحمل صندوق الاستثمارات العامة قدراً كبيراً من النفقات الرأسمالية لرؤية 2030 في السعودية مما دفع الأكاديمية في أكسفورد آنا ناكفالوفايت إلى التحذير من أن دوره المزدوج كمستثمر عالمي ومحرك محلي يجعله أكثر تعرضاً للقيود المالية مقارنة بالصناديق المحافظة البحتة. وأشار روبرت موغيلنيكي من معهد الدول العربية الخليجية إلى أن الاحتياطيات العميقة لهذه الصناديق لا تزال توفر للحكومات وسائد غير متوفرة لكثير من الأقران خاصة مع إضافة الإنفاق الدفاعي وإصلاح سلاسل التوريد للضغوط. وتشير السوابق الإقليمية إلى أن أي تعبئة ستعطي الأولوية لأمن المواطنين واستيراد الغذاء والبنية التحتية الحيوية على حساب الاستحواذات الخارجية الجديدة.
وتوقع تقرير لديلويت الشرق الأوسط نشر عام 2025 أن يساعد التوسع بقيادة الخليج في رفع أصول الثروة السيادية العالمية إلى 18 تريليون دولار بحلول 2030 مع استمرار الكتلة في السيطرة على تدفق الصفقات عبر الحدود. وتشير النشاطات الأخيرة إلى أن أزمة مارس لم تعرقل هذا المسار رغم أن إصلاح البنية التحتية المتضررة على المدى الطويل جراء الضربات الإيرانية قد يمدد الموارد المالية لسنوات. وأكدت بيانات الهيئة العامة للاستثمار الكويتية التي قدمت إلى البرلمان هذا الربيع الأداء المستقر رغم تقلبات السوق مما يعزز الغرض الأصلي لهذه الصناديق كاحتياطيات للأيام الممطرة عبر الأجيال.
EN
