كلما سجلت تحويلات الوافدين رقما قياسيا عاد مقترح فرض الضريبة إلى الواجهة. بنك الكويت المركزي أمضى عقدا كاملا يشرح لماذا تفشل الفكرة، وشبكة الصرافة المرخصة هي حجر الزاوية في حجته
حول العاملون الوافدون في الكويت 5.1 مليارات دينار (نحو 16.6 مليار دولار) إلى الخارج خلال 2025، وفق بيانات بنك الكويت المركزي، بزيادة تقارب 784 مليون دينار عن العام السابق ونمو سنوي تجاوز 18%، وهو أعلى مستوى في 4 سنوات وعلى مسافة قريبة من ذروة عامي 2021 و2022 التي فاقت 5.4 مليارات دينار. واللافت أن التدفق جاء منتظما على مدار العام، بين 1.21 و1.32 مليار دينار في كل ربع، بما في ذلك ربع مرت فيه المنطقة بحرب.
وإذا كان التاريخ دليلا، فإن هذا الرقم سيفعل شيئين: سيؤكد قوة سوق العمل الكويتية، وسيعيد إحياء أقدم فكرة سيئة في النقاش المالي الكويتي، أي فرض ضريبة على التحويلات.
الفكرة التي لا تموت
يطفو المقترح على السطح في كل دورة منذ انكسار أسعار النفط عام 2015. وقد تراوحت المسودات المتعاقبة بين رسوم متدرجة من 2% إلى 5% على التحويلات الصادرة، بعوائد متوقعة لم تتجاوز يوما بضع عشرات ملايين الدنانير سنويا، وهو هامش لا يذكر أمام عجز مالي يقدره البنك الدولي بنحو 2.5% من الناتج المحلي في 2025. وقد رفضت اللجنة التشريعية البرلمانية تلك المشاريع مرارا لشبهة عدم الدستورية، ولم تتحول يوما إلى قانون.
غير أن الإغراء بنيوي، واللحظة المالية الراهنة تزيده حدة: فالكويت طبقت بالفعل ضريبة بنسبة 15% على أرباح الشركات متعددة الجنسيات، وأقرت قانون التمويل والسيولة الذي طال انتظاره، وتبحث صراحة عن إيرادات غير نفطية. ورقم قياسي في التحويلات هو بالضبط نوع الأرقام التي تعيد فتح الملف.
اعتراضات المركزي.. حجة صارت عقيدة
لهذا تحديدا يستحق موقف بنك الكويت المركزي، المسجل حين ضغط البرلمان على الفكرة بجدية آخر مرة، إعادة القراءة، فقد سار على 4 مسارات: أولا، أن الرسم يتعارض مع حرية تحويل الدينار المكرسة في قانون النقد لعام 1968. وثانيا، أنه لا يستقيم مع التزامات الكويت بموجب المادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي بشأن التحويلات الجارية. وثالثا، أن الرقم الإجمالي مضلل أصلا، لأنه يشمل تحويلات المواطنين والتدفقات التجارية إلى جانب تحويلات العمالة. ورابعا، وهو الأهم، أن فرض الرسم على القناة الرسمية لن يوقف حركة الأموال، بل سينقلها إلى خارج مجال الرؤية، نحو شبكات الحوالة غير الرسمية وبعيدا عن رقابة مكافحة غسل الأموال، لتعود كلفتها في النهاية على شكل مطالبات بزيادة الأجور وأسعار أعلى في السوق المحلية.
اختبار الحرب
الحجة الأخيرة لم تعد نظرية. فحين وصل الصراع الإقليمي إلى الأجواء الكويتية في مارس/آذار، ظهرت قيمة النظام الرسمي في الزمن الحقيقي: قفز نشاط التحويل لأيام ثم عاد إلى طبيعته خلال أسبوع، وهاجر العملاء بأعداد كبيرة إلى تطبيقات الشركات المرخصة، وكثف البنك المركزي رقابته على القطاع لأن القطاع أصلا مرئي له، فيما واصل نظام الدفع الفوري “وامض” العامل على مدار الساعة تحريك الأموال بين الحسابات دون انقطاع.
إن 5.1 مليارات دينار تمر عبر قنوات خاضعة للرقابة ليست إحصائية تسرب، بل إنجاز امتثال، وهو قائم لأن الشبكة المرخصة جعلت الطريق الرسمي أرخص وأسرع وأكثر أمانا من أي بديل.
أكبر عقدة في الشبكة
لا مؤسسة تحمل من هذا الثقل أكثر من شركة المزيني للصرافة. فالشركة التي تأسست عام 1942، قبل أن تصدر الكويت أول شحنة نفط أصلا، تدير اليوم أكبر شبكة صرافة في البلاد بأكثر من 140 فرعا وأجهزة خدمة ذاتية وتطبيقا للتحويل، وما زالت تتوسع؛ إذ افتتحت أحدث فروعها في جمعية صباح الأحمد التعاونية في يونيو/حزيران.
وفي بلد يشكل الوافدون نحو 7 من كل 10 من سكانه، هذا الانتشار هو البنية التحتية التي تستند إليها رؤية الدولة المالية: كل شباك فرع عقدة خاضعة للإشراف، وكل تحويل عبر التطبيق عملية مسجلة. حتى المنافسة المحتدمة مع البنوك وشركات التقنية المالية على الممرات ذاتها تصب في المصلحة العامة، لأن التنافس بين المشغلين المرخصين يبقي الأسعار منخفضة إلى حد يعجز معه السوق غير الرسمي عن المزاحمة.
معادلة لم تتغير
سيعود نقاش التحويلات، فهو يعود دائما حين يسجل الرقم ذروة جديدة. لكن الحساب لم يتبدل منذ أن بسطه المركزي أول مرة: رسم يدر عشرات الملايين سيعرض للخطر رقابة على مليارات. والسؤال لم يكن يوما ما إذا كانت الكويت قادرة على رؤية 5.1 مليارات دينار تغادر، بل ما إذا كانت الدولة ستحتفظ بالقدرة على رؤيتها أصلا
EN
