أجبرت مستويات المياه المنخفضة القياسية على طول نهر الدانوب على إغلاق محطة «باكس» النووية في المجر التي تولد نحو نصف كهرباء البلاد، وقد تستمر عمليات الإيقاف أسابيع بسبب عدم قدرة النهر على توفير مياه التبريد الكافية. وتعمل أكبر منشأة للطاقة الكهرمائية في صربيا عند «دجرداب 1» بنسبة 20% فقط من طاقتها، في حين تعرضت أنظمة التبريد في محطات «كوستولاتس» التي تعمل بالفحم للاضطراب أيضاً، بحسب شركة الكهرباء الحكومية «إي بي إس». واضطرت شركة «نوكليار إلكتريكا» الرومانية إلى إغلاق أحد مفاعلاتها مطلع الأسبوع الجاري مع توقع إغلاق آخر، مما قد يقلص خمس إمدادات الكهرباء في البلاد، بينما قلصت فرنسا إنتاجها النووي أيضاً بسبب انخفاض مستويات الأنهار وارتفاع درجات الحرارة.
وتعتزم صربيا والمجر تغطية النقص عبر استيراد الكهرباء في وقت تشهد فيه أسعار السوق الفورية ارتفاعاً، وهو إجراء مكلف يزيد من الضغوط على أنظمة الطاقة في أنحاء القارة. وتتوقع شركة المرافق الإيطالية «إيه2إيه» إنتاجاً للطاقة الكهرمائية يبلغ 3.9 تيراواط ساعة هذا العام مقابل متوسط تاريخي يبلغ 4.1 تيراواط ساعة، إذ يواجه حوض نهر «بو» ندرة مائية شديدة تهدد أيضاً محاصيل الأرز ومياه الشرب. وقال الرئيس التنفيذي ريناتو مازونشيني إن بعض الخزانات تواجه ضغوطاً وإن الشركة تحتاج عملياً إلى البدء في «رقصة المطر».
وتأثر نقل البضائع أيضاً، حيث يواجه المزارعون على طول الدانوب صعوبات في شحن محاصيلهم بسبب إغلاق عدة موانئ نهرية نتيجة انخفاض مستويات المياه، مما جعل الموانئ القريبة من البحر الأسود فقط هي العاملة، وفقاً لسيزار غيورغي من شركة الاستشارات الرومانية لسوق الحبوب «أغري كولوم». وتراجعت أحجام الشحن بين روتردام، أكبر ميناء بحري في أوروبا، ونهر الراين بنحو 10% دون المستويات الطبيعية منذ بداية يوليو، مع تأثر ناقلات الكيماويات والنفط وسفن البضائع الجافة أكثر من غيرها لأنها تحتاج إلى أعماق أكبر، كما أخبر متحدث باسم الميناء وكالة «رويترز». وتأتي هذه الاضطرابات في وقت أفادت فيه اللجنة المركزية للملاحة على نهر الراين بنقل 284.5 مليون طن من البضائع على النهر عام 2024، في تعاف طفيف من 276.5 مليون طن في العام السابق، وهو تعاف يواجه الآن تهديداً من تكرار حوادث انخفاض مستوى المياه.
وأبلغت شركات المرافق عن تأثيرات مالية مباشرة ناجمة عن ظروف الجفاف، إذ قالت المجموعة النمساوية «فيربوند» التي أنتجت 85% من كهربائها من الطاقة المائية العام الماضي إن الوضع خفض أرباح النصف الأول بنحو 370 مليون يورو مقارنة بالسنوات ذات المستويات الهيدرولوجية الطبيعية. وتوقعت شركة «إي دي إف» الفرنسية المملوكة للدولة تراجعاً بنسبة 10% في الأرباح لكامل عام 2026 قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بسبب انخفاض أسعار السوق وتقلص الإنتاج المرتبط بموجات الحر. وتظهر هذه التداعيات كيف تقيد الأنهار المتقلصة في أوروبا إنتاج الطاقة والنقل وأرباح الشركات في وقت تواجه فيه القارة أسوأ ظروف جفاف منذ سنوات.
وقال محلل الطاقة أليساندرو أرمينيا في شركة السلع «كيبلر» إن الوضع يؤثر على المشهد الأوروبي بأكمله وليس في مناطق معزولة كما كان الحال سابقاً، مضيفاً أن الديناميكيات الحالية تعني إما حدوث انقطاعات كهربائية أو الحاجة إلى استثمارات أكبر بكثير. ووجدت دراسة نشرت في مجلة «المرونة المناخية والاستدامة» أن الجفاف رفع توليد الطاقة الأحفورية في أوروبا بمقدار 180 تيراواط ساعة بين عامي 2017 و2023، مع إنتاج 141 مليون طن إضافي من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وتقدر وكالة البيئة الأوروبية أن الضغط المائي يؤثر بالفعل على 20% من أراضي الاتحاد الأوروبي و30% من سكانه كل عام، وهي أرقام مرشحة للتفاقم مع تفاقم تغير المناخ.
وقد سجلت أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، بحسب تقييم لخدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، مما يساهم في زيادة تكرار الجفاف وشدته ويكشف عن مواطن الضعف في بنى تحتية الطاقة والنقل. وانخفض نقل البضائع عبر الممرات المائية الداخلية في الاتحاد الأوروبي بنسبة 3% عام 2025 مقارنة بعام 2024، بحسب بيانات يوروستات، مما يبرز حساسية هذا القطاع تجاه التغيرات الهيدرولوجية. ويواصل المسؤولون مراقبة مستويات الأنهار عن كثب، بينما تبحث شركات المرافق عن ترتيبات توريد بديلة للحد من الاضطرابات الإضافية التي قد تطال المنازل والصناعة.
EN
