وجد تحليل أجرته مجلة «ذي إيكونوميست» أن أكثر ممرات الطيران ازدحاما في العالم تتعرض لضغوط شديدة، إذ تحشر في عدد محدود من الممرات المزدحمة بعد إغلاق مناطق جوية شاسعة بفعل التوترات الجيوسياسية. وعندما يؤدي النزاع إلى إغلاق المجال الجوي فوق إيران والعراق وإسرائيل والأردن ولبنان، بينما يبقى الطيران الغربي ممنوعا من عبور الأراضي الروسية ويتجنب المرور فوق سوريا وأوكرانيا واليمن وأفغانستان، تواجه حركة الطيران الشرقية-الغربية قيودا حادة في القدرة الاستيعابية. وقال مؤسس ch-aviation توماس جايغر إن السماء لن تتسع لكل تلك الرحلات في ظل هذه الظروف، مما يكشف حدود خريطة الطيران الحالية. ويبرز الوضع هشاشة الاتصال الجوي العالمي في عصر المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
وليس هذا الضغط افتراضيا، فقد شهد أغسطس 2024 استعداد شركات الطيران لرد إيراني محتمل على ضربة إسرائيلية في طهران، الأمر الذي أدى إلى تحويلات واسعة اختبرت الطرق البديلة، على ما أفادت «ذي إيكونوميست». وأوضحت المجلة أن المجال الجوي يتقلص تدريجيا منذ إسقاط الطائرة الماليزية MH17 فوق أوكرانيا عام 2014 على أيدي عملاء روس، وهو الحادث الذي دفع كثيرا من الناقلات إلى تغيير مساراتها بشكل دائم. كما ساهم حادث عام 2020 الذي أسقطت فيه القوات الإيرانية عن طريق الخطأ طائرة ركاب أوكرانية قرب طهران وقتل 176 شخصا في تسريع إصدار التحذيرات الجوية من جانب منظمات السلامة مثل «سيف إيرسبيس».
وتتابع «سيف إيرسبيس» – قاعدة بيانات مجانية تقدمها «أوبس غروب» – نوعين أساسيين من القيود: الإغلاقات الوطنية الكاملة والنصائح المبنية على تقييم المخاطر التي تقلص الخريطة المتاحة للطيران المدني. وتترك هذه التدابير خيارات أقل لتفادي الطقس السيئ أو أي اضطرابات أخرى، مما يزيد العبء على مراقبي الحركة الجوية في المناطق المسموح بها. وفي الشرق الأوسط الذي يستقبل نحو 20 في المئة من حركة الطائرات العالمية عند تقاطع الطرق الأوروبية والآسيوية، أحدثت التغييرات فراغات واضحة في المسارات التقليدية مع تحميل الممرات الباقية فوق طاقتها، بحسب ما نقلته صحيفة «عكاظ».
ولطالما شكل الخليج العربي أحد أبرز مراكز الملاحة الجوية ازدحاما، غير أن الظروف الراهنة أجبرت شركات الطيران على اتباع مسارات متعرجة تضيف آلاف الكيلومترات إلى الرحلات بين أوروبا وآسيا، كما أوردت الصحيفة السعودية. ويواجه المراقبون صعوبة في التعامل مع الحجوم المتزايدة داخل مساحات ضيقة، حيث يتعين الحفاظ على مسافات الأمان بدقة دون الاستفادة من المجال الجوي العسكري المجاور. ولا يقتصر هذا الازدحام على احتمال حدوث التأخيرات، بل يرفع التكاليف التشغيلية أيضا عبر زيادة استهلاك الوقود في الطرق المطولة.
وتتكرر ديناميكيات مماثلة في شرق آسيا، إذ تحد الحجوزات العسكرية للمجال الجوي الطيران المدني إلى نحو 30 في المئة فقط من الإجمالي في بعض القطاعات، مما يسبب تأخيرات مستمرة على الممرات المحلية الرئيسية وفق ما أظهر فيديو تفسيري عن جغرافيا الطيران. وقد رصدت ch-aviation انكماش المسارات القابلة للاستخدام تدريجيا، حيث تظهر البيانات أن مزيج القيود الدائمة والمؤقتة يفرض على الصناعة التكيف مع بيئة عمل متغيرة بشكل دائم. وبغياب جهود دولية منسقة لاستعادة المرور الآمن عبر المناطق المتنازع عليها، فإن الاختناقات مرشحة للتفاقم مع استمرار نمو الطلب على السفر الجوي بعد الجائحة.
وقد رسمت شركة البيانات المتخصصة ch-aviation هذه القيود المتطورة، مبينة كيف تضطر الرحلات التي كانت تعبر مناطق محظورة اليوم إلى التنافس على المساحة داخل شبكة أصغر من الممرات المعتمدة. وقد دفع هذا الضغط بعض الناقلات بالفعل إلى تعديل جداول رحلاتها وسعاتها على القطاعات الطويلة المدى المتضررة. ويتابع مراقبو القطاع الوضع عن كثب، إذ قد تؤدي التطورات الجيوسياسية اللاحقة إلى تفاقم القيود على القدرة الجوية العالمية.
EN
